محمد العلبي والغوص في تاريخ الجمال
احتضنت صالة الرؤى للفنون قبل أيام معرضاً للفنان محمد العلبي قدم من خلاله عدداً من أعماله التي يخرج فيها عن التقاليد التصويرية المعتادة، سواء من حيث المنظور أم من حيث المواد التي يستعملها والأشكال المقدّمة. الغاية من المعرض، كما يقول "عرض تجربتي للناس عامة، ولطلاب الفنون بشكل خاص، بغرض تشجيعهم على استعمال مواد مختلفة بجرأة، شرط انسجام هذه المواد مع بعضها ومع نسيج اللوحة، والصبر على ولادة اللوحة، وعدم التسرع في البناء كي لا يختل التوازن، وبالضرورة أن ينسجم كل ما نفعله، ونستخدمه، مع ما نريد تقديمه من فكر في عملنا".
نستعرض عدداً من لوحاته لنجد في كلّ منها خطاً متشابكاً يقسم السطح إلى مساحات، لا يلبث الفنان أن يملأها بالرمل والحصى والمعادن ونشارة الخشب المعجونة باللون حدّ الذوبان فيه وتحولها إلى عجينة متماسكة تبث في اللوحة إحساساً مختلفاً لا يقوى على خلقه اللون المجرّد، عجينة يتعمّد الفنان إظهار كثافتها في كثير من الأعمال حتى تبدو أشبه بتضاريس على سطح اللوحة.
في لوحات أخرى، تتقاطع الخطوط بكثرة فتنصهر الأشكال واحدتها مع الأخرى لتغيب الملامح وتذوب في التكوين ككل. وفي بعضها الآخر، تظهر التكوينات من خلال طبقات متعددة تشتمل عليها اللوحة لتبدو واضحة بعض الشخوص، والطيور، والنوافذ التي ذابت مع بعضها في بوتقة واحدة مشكلاً فسيفساء لونيّة مذهلة بصخبها كبيت دمشقي، وهنا ندرك معنى عميقاً لما يقر به الفنان مفتخر من تأثر بمرتع طفولته، وذاكرته البصريّة الأولى (البيت الدمشقي) الذي يوازي في نظره الفردوس الداخلي للإنسان، فهو من الخارج قد لا يوحي بما يضمه بين جدرانه من فسحة وماء وخضَرة، وجمال زخرفي، وزخم معماري.
عموما يمكن القول أن في لوحات محمد العلبي نزعة شرقيّة واضحة، تظهر في ألوانه كما في خطوطه، لتذكر المتلقي بالسجاد الشرقي وحياكته المتقنة، وبالفسيفساء وتعريقاتها المنسجمة، والزجاج المعشق وتقطيعاته اللونية المختلفة، في تداخلها الشاعري الذي يعكس ما في داخل العمل الفني من ضوء يبعثه نزوع الفنان الصوفي والشاعري، وبذلك تتوزع على مساحة اللوحة، ودون أي ابتذال استشراقي، معظم مفردات الشرق البصرية المعهودة.
يقدّم العلبي نفسه كمتذوق للجمال ومحب للغوص في تاريخه، مدناً و أشخاصاً، كائناتٍ وطيوراً تجعل من مدن الشرق محطات لها. هكذا يغامر الفنان في معرضه الأخير، "مواد مختلفة"، حيث تتنوع عودة هذا الفنان إلى الموروث، أقصد عودته إلى مكنونات ذاكرته البصريّة منذ بدايتها، كما تتنوع المواد التي تجسد تلك العودة.
تمثل اللوحات مرحلةّ بحد ذاتها من مراحل عمل هذا الفنان، تتميز بأنها مرحلةٌ مشغولة، درس فيها الشكل تلك الدراسة التي أفضت إلى تبسيطه إلى حدٍ بنيت عنده بعض اللوحات من خط متصل واحد، كما جرت محاولات دؤوبة لتوزع المساحات اللونية ونسجها بصورة متسقةٍ تجمع التجربة معاً في كل واحد، أو في روح واحدة بأحاسيس متعددة، تبدو كأنها نسخ متعددة لذات واحدة، هي ذات المدينة الممزّقة التي تمّت إعادة بنائها بما يشبه الكولاج الذي يظهر رأس الطير أكبر من نافذة، ويظهر نافذة تتسع لتحتوي مدينة كبيرة تشبه إلى حد كبير العشوائيات التي تجذبنا بتناقضاتها وجماليّة تراكبها الخاصة.
في حديثة عن أعماله، يلح محمد العلبي على أهميّة التذوق الفني الذي نفتقده في ثقافتنا، والذي وبحسب رأيه يجب أن يبدأ منذ الطفولة، من خلال إدراج مادة للتذوق في مناهج التعليم، والتشجيع على ارتياد المتحف، والخروج إلى الطبيعة إذ هي الأرض الأكثر تنوع وخصوبة بالمفردات، فالفنان لا يكفي أن يكون فناناً بالفطرة بل لا بد من مجموعة من الثقافات، والظروف، والعلوم التي تدفع به وتقوده إلى ما يريد، فالفنان يريد وأيضاً يراد له.
أما عن أهمية النقد الفني، ودوره في القراءة الأكثر دقة وموضوعية للعمل الفني، فيقول: "نحن بحاجة لمثقِّفِين فنين، فالثقافة أساس النقد، ومهمة المثقِّف الفني هي تعليم المتلقي أهمية تأمّل العمل والوقوف عند كل تفصيلة من تفاصيله أطول فتره ممكنه، وعدم اعتماد النظرة السياحية والمرور أمام الأعمال كمن يعبر الشارع. فأهمية العمل تنبع من مقدرته على جذب المتلقي للوقوف أمامه.
عند تنمية الذائقة الثقافية والبصرية لدى المجتمع نستطيع أن نستنهض حركة نقديّة جيده، وليس بالضرورة أن يكون الناقد فناناً، لكن من الضروري أن يمتلك حساً ذوقياً عالياً وثقافة بصريّة غنية".




جميل كفاح ننتظر معرضك الخاص
جميل كفاح ننتظر معرضك الخاص
أضف تعليقاً