ماذا عن المادة الثامنة ؟!

31 05 2011 | الساعة 8:41

بعد أسابيع من الحديث المتواصل عن "المؤامرة" و"الفتنة" و"المندسين" و"العصابات الإجرامية المسلحة" و"الإمارات السلفية" بدأ الإعلام السوريّ مؤخراً.. ومتأخراً أيضاً.. بشقّيه الرسمي وشبه الرسمي، الحديث عن الإصلاح بمختلف جوانبه ومنها الإصلاح السياسيّ.

في هذا السياق أتى بعض المتحدّثين المقرّبين من السلطة على ذكر المادة الثامنة من الدستور السوري بعبارات من قبيل "دراستها" أو "إعادة النظر فيها" وما إلى ذلك، وهي المرة الأولى منذ ثمانية وثلاثين عاماً، هي عمر الدستور الحالي. في سابقة هامّة، هي بلا شك واحدة من النتائج المباشرة للحركة الاحتجاجية التي تشهدها سوريا. تلك المادّة التي تنصّ أنّ "حزب البعث العربي الاشتراكي هو الحزب القائد في المجتمع والدولة ويقود جبهة وطنية تقدمية تعمل على توحيد طاقات جماهير الشعب ووضعها في خدمة أهداف الأمة العربية".

لسنا في صدد الحكم على النوايا، أو مدى مصداقيّة الكلام عن إجراء إصلاحات سياسيّة أو جدّية السلطة في ذلك، وإنّما نريد هنا التوقف عند المادة الثامنة التي ذكرنا، خصوصاً وأنّ شرائح واسعة على ما يبدو، من السوريين وغيرهم، لم تسمع بها قبل هذه الفترة. وللعلم حتى مناهج كلية الحقوق في جامعة دمشق. وكاتب هذه السطور من خرّيجيها. تخلو من مقرّر لتدريس دستور البلاد، حيث يُكتفى بمقرّر (القانون الدستوري العام) في السنة الأولى والذي يتحدث بصورة عامة عن تاريخ ظهور الدساتير في العالم وأنواعها، دون التوسع في تعريف الطلبة بدستور بلادهم. هذا من جهة.

 من جهة أخرى، لا بد لأي "إصلاح سياسيّ" ليكون حقيقيّاً أن يشمل بنية النظام السياسيّ، أي الكيفيّة والآليات التي تُحكم من خلالها البلاد، الأمر الذي يقتضي تعديلات دستوريّة لكون الدستور في كل دولة هو الذي يحدّد شكل نظامها السياسيّ ومضمونه، فيضع أسس وقواعد الحكم المتّبعة في هذه الدولة أو تلك.

في سوريا، المدخل الأساس للتعديلات الدستورية التي من شأنها إصلاح النظام السياسيّ يبدأ بالمادة الثامنة دون أن ينتهي عندها.

لبيان ذلك نبدأ من أكثر تعريفات النظام الديمقراطي شيوعاً: فهو "حكم يقيمه الشعب وتكون فيه السلطة العليا منوطة بالشعب يمارسها مباشرة أو بواسطة ممثلين عنه ينتخبهم في نظام انتخابي حر". نعلم كم يتغنّى المسؤولون السوريون ومن لفّ لفيفهم بالتجربة الديمقراطية الرائدة في سوريا. لكنّنا لو أردنا أن نقرأ التعريف السالف ذكره للنظام الديمقراطي، في ضوء التطبيق العملي للمادة الثامنة من الدستور السوري، يجب أن نستبدل بالشعب كلمة "البعث" ونحذف الجملة الأخيرة "ينتخبهم في نظام انتخابي حر" فيصبح التعريف كالتالي:

"حكم يقيمه البعث وتكون فيه السلطة العليا منوطة بالبعث يمارسها مباشرة أو بواسطة ممثلين عنه".

فواقع الحال على الأرض يقول: في سوريا رغم وجود مجلس للشعب وانتخابات تشريعية كل أربع سنوات واستفتاء على الرئاسة كل سبع سنوات، إلا أنّ ذلك لا يعني مطلقاً وجود تداول على السلطة كما تقتضي أبسط القواعد الديمقراطيّة. ذلك أنّ "المادة الثامنة" تحدّد سلفاً نتيجة كل حراك سياسيّ.

فحزب البعث العربي الاشتراكي ممثلاً بسلطته العليا: القيادة القطرية للحزب، هو حتماً القائد للدولة والمجتمع، وبالتالي للنظام السياسي برمّته، والسياسات العامة الخارجية والداخلية للدولة وكيفية تنظيم شؤون المجتمع المختلفة، رهن بتوجهات الحزب وأهدافه ورؤاه، سواء اتفق المواطنون السوريّون ـ من غير البعثيين خصوصاً ـ مع الحزب أم لا.

والقيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي هي التي تقرّر بمقتضى الدستور من سيكون رئيس البلاد المقبل. وهذا ليس كلاماً على سبيل التضخيم أو المبالغة. ذلك أنّه بحسب المادة 84 من  الدستور "يصدر الترشيح لمنصب رئاسة الجمهورية عن مجلس الشعب بناء على اقتراح القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي ويعرض الترشيح على المواطنين لاستفتائهم فيه".

والاستفتاء الشعبي ليس عملية يختار الناخب فيها مرشحاً من بين عدة مرشحين يتنافسون للحصول على أعلى نسبة من أصوات الناخبين كما تقتضي الانتخابات الديمقراطية، وإنما هو عبارة عن الموافقة أو عدم الموافقة على مرشح واحد فقط دون وجود منافسين له، وهذا المرشح من اختيار القيادة القطرية لحزب البعث كما مرّ ذكره.

ما يعني عدم واقعية الحديث عن إمكانية إجراء انتخابات رئاسية تعددية في سوريا في ظلّ الدستور الحالي. فالدستور هو القانون الأسمى، وبحسب تعاليمه السامية يخضع منصب الرئاسة لاستفتاء الشعب على قبول أو رفض المرشح الأوحد الذي يقترحه قادة الحزب الذي يحق له فقط قيادة المجتمع والدولة.

وفي حال لم يحصل المرشّح على الأغلبية المطلقة من أصوات المقترعين يتم ترشيح غيره "وتتبع بشأن ترشيحه وانتخابه الإجراءات نفسها على أن يتم ذلك خلال شهر واحد من تاريخ إعلان نتائج الاستفتاء الأول" (مادة 84 فقرة 4).

ولأن قيادة المجتمع والدولة منوطة بحزب البعث فمما لا شك فيه  لن يكون مرشح القيادة القطرية لمنصب الرئاسة من خارج قيادة الحزب وهو غالباً أمينه العام ـ لم تقدّم تجربة حكم البعث طيلة عقود خلاف ذلك ـ وعليه ما لم تكن بعثياً وتحصل على ترشيحٍ من القيادة لقطرية فلا تحلم بأن تكون رئيساً.

كل ما تقدّم يشير إلى تناقض المادة الثامنة مع المادة 25 من الدستور لا سيّما الفقرة 3 منها التي نصّها: "المواطنون متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات" والفقرة 4 من نفس المادة: "تكفل الدولة مبدأ تكافؤ الفرص بين المواطنين"، حيث لا يمكن تحقّق المساواة أو تكافؤ الفرص بين المواطنين في ظلّ وجود تميز واضح وصريح يجعل شريحة منهم تحتكر "قيادة" المجتمع والدولة بنص الدستور.

تجدر الإشارة إلى وجود مواد عدّة في الدستور لا بد من الوقوف عندها مليّاً وتعديلها إذا أراد السوريّون لبلادهم دستوراً عصريّاً يؤسس لدولة مدنيّة ديمقراطيّة لجميع مواطنيها، دون تمييز على أساس العرق أو الدين أو الانتماء السياسي.

طريق الألف ميل يبدأ بخطوة، لكنّها أحيانا لا تكون خطوة بل ثورة.

شكراً شاسعاً لك على هذا

شكراً شاسعاً لك على هذا المقال التّعريف الإعلام هذا اسمه إعلام مفيد في وقتنا الحالي
شكراً لك كم أتمنّى أن تطبع وتنشر على جميع النّاس في الشّارع ومن لا يستخدم الانترنت كم أنّ ذلك ضرورة

هذه أول دراسة واقعية نقدية لا

هذه أول دراسة واقعية نقدية لا إنفعالية للمادة الثامنة من الدستور...شكراً طارق عزيزةعلى هذا الجهد!

أضف تعليقاً

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق