في ذكرى رحيل عرّاب النقد الفني

9 02 2012 | الساعة 1:38

»بمناسبة أربعين الراحل د.عبد العزيز علّون 1934/08/01-2011/12/20 «

إنّ الكتابة عن فقدان شخصٍ لاتعرفه صعبة لأنها تمسّ جزءاً مجهولاً فيك، لكنّ الكتابة عن شخصٍ تعرفه أكثر صعوبة لأنها تمسُّ فيك ما تعرفه، فالحبر لن يرسم أبداً الألم والفراغ الذي يخلفه رحيله الذي لن نكون مستعدين له مهما زعمنا أنّ الموت كامن خلف باب كلّ إنسان....!!!

لايمكنني التعبير عن رحيل الصديق الكبير الدكتور عبد العزيز علون مالم أغمس ريشتي في حبر روحي لأعبر عن هذه الخسارة الكبيرة!

رحل الدكتور عبد العزيز شاباً...نعم شاباً...!!!

 

فطيلة ثماني سنواتٍ من الصداقة الفكرية التي جمعتنا تخللتها تبادل معلوماتٍ وكتب حول الفن والآثار والتاريخ، كان في كل زيارةٍ يقول لي فرحاً كطفلٍ اكتشف شيئاً جديداً في هذا العالم، "كتبت بحثاً جديداً!!!"، و"كتبت كتاباً جديداً!!!"...وعندما كنت أسأله عن نشر هذه الثروات الفكرية الأصيلة التي تلبي طموح الباحثين والأكاديميين في عالمٍ يسوده السرقة المعرفية والترجمة المشوهة! كان يقول "ما أكتبه أهم من الترجمة ...لا أعول على دور النشر العربية...فأنا أكتب لأحيا!!!"

 

كان آخر ما نشرته الهيئة العامة السورية للكتاب كتابه "أعلام النقد الفني في التاريخ" الذي صدر في العام الماضي، وكنا قد عملنا سويةً على كتاب "ليوناردو المعلم الفلورنسي" الذي طبعه على نفقته الخاصة عام (2007) كجزء من مشروع عمره الذي كرّس له سنواتٍ طويلة من حياته في تقديم الفنان المبدع "ليوناردو دافينشي" للقارئ العربي مركزاًعلى شخصية الفنان، ودراسته، ومراحل حياته، وفلسفته العامة. وقبل رحيله المفاجئ كان الدكتور قد انتهى للتو من إعداد الطبعة الثانية للكتاب بعد إضافة كتابين جديدن وأصيلين في العالم العربي  بعنوان "سورية والمرأة عند ليوناردو دافينتشي"، وكان ينوي إصدار كتابٍ ثالث مستقل بدأ العمل به فعلياً، مركزاً على ترجمة الأجزاء الهامة من أمالي ليوناردو، التي تدور حول فن التصوير، وفلسفة فن التصوير وتاريخه كما كتبهما ليوناردو.

 

ولم يكن نيل الفقيد للدكتوراة الفخرية من أكاديمية ليوناردو دافينشي في روما عام 1975، إلا دليلاً على هذه الصداقة العميقة التي جمعت بينهما والتي اضمحل عندها مفهوما الزمان والمكان الواقعيين، وقد بقي الدكتور عبد العزيز مخلصاً لها طيلة نصفٍ قرنٍ من حياته الخصبة.

 

الموسوعة الحية

كان الدكتور الراحل موسوعة متنوعة المعارف ودقيقة في آنٍ معاً، ولم يكن يتحدث بما لا يعرف ولم تصبه لوثة الغرور التي تعيق الباحث الحقيقي عن البحث عن قمم معرفية أخرى تستحق الاكتشاف، وإن تحدّث لم يكن بوسع المستمع أو السائل إلا أن يقع في سحر أسلوبه السهل الممتنع فيخشى أن ترفّ عينه فيفقد شيئاً من درره. ومن أهم بصماته التي آمل أن تُنشر قريباً كتابه الهام عن الشعراء الرعويين السوريين خلال العصرين الهلنستي والروماني الذين تمّ تجاهل دورهم في صياغة القصيدة الرعوية ونثريات الإبيغرام Epigram. ولم يضع الباحث الكبير يوماً إلا وبحث فيه عن المبدعين السوريين الذين غيبهم الإهمال والتهميش منذ العصور القديمة وحتى يوم رحيله.

 

طيلة فترة تأسيس خبرتي الأكاديمية في مجال الآثار والتاريخ الهلنستي كان الدكتور عبد العزيز بالنسبة لي ولزملائي من طلبة الدراسات العليا في الآثار والفنون والتاريخ خير موجهٍ وناقدٍ وشريكٍ فكري... وكان يوصيني دائماً بأنّ "سوريا ينقصها مؤرخون ...لا تنسَ ذلك"!

لن أنسى ذلك...يا أستاذي ويا صديقي!

أضف تعليقاً

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق