فدوى على درب الحرية

21 02 2012 | الساعة 19:51

لم تكن إلا نفسها، لم تنجر للنجومية والأضواء التي أغرت كثير من الناشطين والناشطات في سوريا، بل اختارت الدرب الأصعب، الدرب الذي تكون فيه رفيقة الإنسان البسيط الفقير المنتهكة كرامته، لها ما له وعليها ما عليه.

 

عند لقاءي بها لأول مرة مع بدء الانتفاضة السورية في منزل أحد الأصدقاء، لم أميزها، فسألتها بعفوية: "وجهك مألوف، التقينا من قبل؟!".

ابتسمت برقة مجيبة: "ممكن"، تدخل في تلك اللحظة الصديق موضحاً: "فدوى ممثلة، ممكن أن تكوني رأيتها في احدى المسلسلات أو الأفلام".

في تلك الجلسة التي ضمت أصدقاء من كل الأطياف السياسية والاجتماعية في سوريا، اكتفت فدوى بالاصغاء والاستماع لهموم وعمل الجميع، لم تحاول سرقة الأضواء أو استعراض البطولات أو ادعاء المعرفة، كانت تبحث عن الحقيقة وعن طريقة تساعد فيها الناس على أرض الواقع..

 

وهكذا لم اتفاجئ حين ظهرت فدوى في حمص بين حشود الناس المنتفضة، لم اتفاجئ وهي تهتف وتناشد وتطالب باسترداد الحقوق المنتهكة، ففدوى تنتمي للناس، لا لشاشات الكمبيوتر ولا لساحات الفيس البوك، ورغم ذلك فهي تحترم كل أشكال النضال وحرية الرأي والتعبير طالما أن ذلك يصب في نصرة قضايا الإنسان.

 

لم تتخل فدوى عن علمانيتها وأفكارها وقناعاتها في الحياة، فمن وسط حمص المنكوبة وبين تنقلاتها المحفوفة بالمخاطر من مخبئ لمخبئ، ومن تحت الأنقاض المهدمة لبيوتٍ اغتيلت أجساد أصحابها على مذبح الإنسانية المنتهكة، كانت فدوى تسترق اللحظات النادرة التي تتوافر فيها الكهرباء والاتصالات لتنقل الحقيقة ولتنشر أفكارها سواء من خلال اللقاءات الإعلامية أو من خلال صفحتها على الفيس بوك..

تُعرف فدوى عن نفسها "أنا فدوى عبد الرحمن سليمان، لا أنتمي إلى أية جهة أو تجمع أو حزب أو هيئة أو تيار أو مجلس أو شخص، أنا أنتمي إلى نفسي أولاً ثم لسوريا ثانياً، ثم أنتمي إلى كل إنسان أينما كان ثم للكرة الأرضية، ثم إلى هذا الكون الواسع الفسيح. لي أجنحة.. وأطير.... أنا لا أباع ولا أشترى، ولا أعلَّب، ولا أسَمَّى.. لي أجنحتي.. ولي الكون."

 

وحين حولها الكثير من أبناء وطنها إلى رمز، كسرت الأصنام ودافعت عن حريتها، فرداً على صديقة لها أخبرتها أنها "شاءت أم أبت أصبحت رمزاً للثائرة العلوية الفنانة"، وأنها يجب أن "تنتبه إلى تصرفاتها أمام الناس لتبقى الرمز الذي لا تشوبه شائبة"، ردت فدوى:

"أقول لتلك الصديقة ولغيرها إنني لست صنماً.. وإن الشعب السوري على حد معرفتي يسقط الأصنام في بلده.. وأنا لست منافقة لأتحول إلى صنم لا حياة فيه.. أنا فدوى التي... تحيا بكل ما في الحياة من حياة.. ولديها كالحياة سلبياتها وإيجابياتها.. لدي حبيب كباقي الناس.. وأصوم وأصلي ولكن على طريقتي.. وقد أشرب كأس نبيذ الذي صنعه جدي.. وسأشرب نخب النصر من نبيذه.. وأحترم من لا يشرب وأحترم وأجل من يصلي.. وأقدس من يصوم وهو ليس صنما بل إنسان يصل ويتواصل.. وإن كنتم حولتموني إلى رمز لتسلبوا حريتي.. فليسقط الرمز ولتحيا الحرية.. حريتي.. وأنا لست علوية ولست فنانة.. أنا الثائرة صحيح منذ مولدي على كل القيم البالية في مجتمعي.. الثائرة لأجل الحرية ولأجل أن يكون الناس أحراراً فيما يعتقدونه ويؤمنون به ويحبونه..".

وتضيف فدوى مؤكدة انتمائها للإنسان فقط: "فليسقط العلويون وليبقى الإنسان فيهم وليسقطوا السنة والدروز والإسماعيلية والإسلام واليهودية والمسيحية وليبق الإنسان فيهم..عاش الإنسان حراً كريماً أينما كان ومهما كان إنتماؤه ودينه عاش الإنسان أينما كان مهما كان انتماؤه ودينه.. عاش عاش عاش..".

 

وفي اللحظات التي انزلقت فيها بعض التيارات السياسية لفكرة تسليح الثورة، وبتنا نرى بعض أشهر الشخصيات الحقوقية والشبابية تنادي بالجهاد والتسليح والانتقام، وهي تجلس في بيوتها آمنة سالمة، سواء كانت هذه البيوت في الداخل أو الخارج، لم تصمت فدوى، وتحدثت من قلب النار، من قلب عاصمة الثورة السورية، وكانت شجاعتها وجرأتها هي نفسها ضد النظام وضد التيارات التي تريد الحيد بالثورة البيضاء عن مسارها، فكتبت فدوى كلمتها "لله.. والوطن.. والتاريخ"، قائلة: "أنا فدوى سليمان.. أعلن أنني نزلت إلى الشارع من 21 آذار لتحقيق الحلم بالحرية من نظام ديكتاتوري حكمنا لمدة أربعين عاماً.. وغيب قوى المجتمع كاملة.. وربط الفعاليات الإقتصادية والسياسية والثقافية والفنية والفكرية بأيدي من تواطؤوا معه لزيادة تجهيل المجتمع وتغييبه.. اليوم وبما أنني أستشعر بأن هناك ق...وى وأحزاب تلعب بنا، وتحاول ركوب الثورة السورية لتنحى بها باتجاه مصالحها.. وتسعى إلى تسليح الثورة ودعم فكرة أن نظام الأسد لا يسقط إلا بالسلاح.. أعلن أن السلاح لن يجلب إلى سوريا إلا المزيد من الخراب.. والمزيد من الأنظمة الأشد ديكتاتورية وعنفاً.. لأن من سيسقط النظام بالسلاح سيعود ليرفعه في وجهنا ليخرسنا بحجة أنه هو من خلصنا من نظام مستبد..وسيجلب أضعافا مضاعفة من الشهداء..".

 

اليوم يتناقل الكثيرون/ات خبر اختفاء الناشطة فدوى سليمان، ولم يتأكد صحة أو خطأ الخبر حتى لحظة كتابة هذه الكلمات، وعلى أمل أن تكون فدوى بخير، ترافقنا كلماتها وصدى خطواتها على دروب الحرية: "تذكروا أن من ينادي بالحرية ينادي بها ليعيش لا ليموت لأنها ضد الموت ومع الحياة.. الحرية هي أن تستنشق الهواء كما يحلو لك.. وأن تحب من تريد وكما يحلو لك.. وأن تفكر كما تريد.. أن تصلي لله كما يحلو لك.. أو تصلي لزهر الحقول كما يحلو لك.. أن تحلم حلمك لا حلم أحد آخر..أن تبني مستقبلك لا أن يبنيه لك أحد غيرك.. ياحرية لانريد أن نخسرك.. ولا نريدك حمراء.. بل كوني كما الأبيض يلون قلوبنا وعقولنا وأرواحنا.. وإن مت في سبيلك قولوا تحررت روحي من الجسد..".

قلوبنا معك يا فدوى

الله يحميها
يا رب

أضف تعليقاً

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق