صبا بردى

24 11 2011 | الساعة 14:35

"و دمع لا يكفكف يا دمشق"
كنت أقود السيارة على طريق الربوة عندما فتحت الراديو فانبعثت أغنية وطنية -واحدة من الأغاني التي تزدحم بها اذاعاتنا المحلية هذه الأيام - يقول مطلعها- واعذروا عدم دقتي ان أخطأت-:
يا طير الطار و علا من فوق الشام \ نازل عا بردى يلاقي رف الحمام
وبالمصادفة البحتة كان النهر الى يساري، فركنت السيارة ونزلت أبحث عن طير يحط على ضفة النهر لملاقاة رفّ حمام ما، فلم أجد النهر بل انبعثت رائحة كريهة من قاذورات تترنح على صفحة مياه شبه راكدة لا تجد من يلمها، فلملمت نفسي وأقفلت راجعة الى السيارة وأقفلت الراديو وابتعدت.
منطقياً، أستطيع أن أؤكد أن كاتب كلمات الأغنية لا يجهل اطلاقاً أن "بردى" قد نشف تماماً، وما عاد فيه الرمق، فهذه حقيقة مرة و أمر واقع يعرفه القاصي والداني لدرجة اعتاد الناس معها أن يرفقوا كلمة "بردى" بتعبير "الله يرحمو". و لكن المسألة في رأيي هي في غياب المعنى في هذا البلد الذي أصبحت فيه اللغة مطية للغو و اللامعنى، و الا كيف لنا أن نفسر اصرار كاتب الكلمات مثلاً على اقحام "بردى" في الأغنية طالما أن "بردى" ما عاد موجوداٌ أصلاٌ.
إنه غياب المعنى في مدينة تحاول أن تبحث عن معناها "من أول و جديد"، بعد عقود طويلة تحولت فيها الحروف و الكلمات و الجمل الى تراب يردم روح الناس، فتخشبت اللغة و تيبست حتى تحولت الى حجر يشج رأس كل من يحاول أن ينفض عنه الركام ليحكي عن الجوهر. و شيئاً فشيئاً أصبحت الفصاحة عقدة نفسية و استعيض عن الكلام بزخرفة الكلام في ثقافة مسطحة لا تهدف الى النفاذ للعمق بل تهدف الى تغييب الحقائق وراء أكوام من الكلمات الطنانة، الرنانة، الجزلة، الفخمة، التي لا تقول شيئاً بعد أن أسلمت روحها و لم يبق منها الا جثث الكلمات. هكذا كثر الكلام عن المقاومة ولا مقاومة، و طال الحديث عن الممانعة ولا ممانعة، وسال حبر كثير عن معارك بطولية ولا معارك، وانتصارات عظيمة و لا انتصارات، و أمجاد، و فخار، و شموخ، و بأس، و عزة، ومنعة، وقومية، وعروبة، ووحدة، وحرية، ووو......وقيسوا على ذلك ما شئتم طالما أن لا أحد يعني ما يقول، فالحكي ببلاش و مع ذلك باعونا إياه واشتريناه ودفعنا ثمنه عقوداً من الموات ونحن نتغطى بقشور الكلمات. كانت تلك لغة الشعارات والاعلام الرسمي المفصولة عن الواقع والتي لا رصيد لها في حياة الناس، و بهذا المعنى تحولت "سورية" إلى مملكة الصمت التي ينطق فيها الناس دون أن يحكوا شيئاً. وعليه، فلا غرابة و الحال كذلك أن نسمع أغنية عن المرحوم "بردى" في حمى الأغاني الوطنية التي تبثها إذاعاتنا، و توقعوا أن يرد اسم المرحومة "الغوطة" كذلك الأمر، فذلك مرده العادة التي درجت في غياب المعنى و انفصام اللغة.
إن استعادة المعنى هو أهم ما تحققه الثورة اليوم فقد جعلتنا نختبر بحق الشعور القومي والإحساس بالكرامة العربية ووحدة المصير في أبهى تجلياته، ولا أدل على ذلك ألا التضامن المتبادل مع الشعب الذي يخوض ثوراته في كل من تونس ومصر وليبيا و اليمن، هذا فضلاً عن الإحساس بالوحدة الوطنية الحقة في كل مرة تهب فيها مدينة سورية نصرة لأختها.
يبقى أن تستعيد "دمشق" معناها الذي فقدته مذ جفت فروع "برداها" السبع ولم يبق منه سوى جثة تجثم في وسط المدينة. - رحم الله أمواتكم جميعاً-.

المصدر : مثقفون أحرار لسوريا حرة

خلص عصر الممانعة الكاذبة..

إلى أحمد
أعداء الثورة لا هم لهم سوى أن تبقى جزمة العسكر على رقابهم
طالما يقتاتون على فتات قذر يقدمه النظام لهم ..
....
آن الأوان أن تصمتوا وبالعربي الفصيح أن تخرسوا..

وماذا عن كلمة "ثورة"!!؟

وماذا عن كلمة "ثورة" التي استخدمتها الكاتبة - التي بالمناسبة أجلها وأحترمها جداً- ويستخدمها العديد من "المثقفين الأحرار" , إلى أي حد هي معبرة وذات معنى بمطابقتها بما يحدث في بلدنا؟
أتساءل عن شعور رهف التي قتل اليوم أبوها وأخوتها الصغار عندما تقرأ وتسمع يوماً ما وصف المتظاهرين "السلميين" الذين قتلوا عائلتها فقط لرفض الأب أن يشاركهم مظاهراتهم "السلمية" بالثوار .

الكاتبة تشكك في مانعرفه اليوم بالمقاومة والممانعة , في حين أن ماكثر حقاً الكلام عنه هو الثورة ولا ثورة , وهذا هو اللغو الوحيد الذي لا يكتفي فقط بأن يفسد حياتنا ويحيلها جحيماً بل ويضيع علينا جميعاً في سورية الفرصة الحقيقية لصنع ثورتنا التي نسعى لها جميعاً , ثورة تضمن مستقبلاً مشرقاً لرهف ولبقية الأطفال , بدل أن تسلبها عائلتها بأبشع شكل ممكن.
بالمناسبة , الأغنية التي تحدثت عنها الكاتبة والتي لا هدف منها إلا زرع محبة الوطن في عقل وقلب السوريين والتي وصفت بأنها بلا معنى كتبها الشاعر اللبناني العظيم طلال حيدر !

أضف تعليقاً

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق