صباح من سوريا
لا يتسع المكان سوى لموطئ قدميهما.. على تلك المنصة المرتفعة أمام الجموع المتكاتفة، فإذا ما اختل توازن إحداهما ستسقطان حتماً.. لست ماهرة جداً بتقدير الأعمار لكنني أظنهما في الثانية عشر أو الثالثة عشر من عمرهما.. تقدمتا ثم وثبتا بمساعدة قائد أوركسترا المظاهرة إلى المنصة.
أعطى إحداهن مكبر الصوت .. هدأ شباب البياضة المجتمعين.. لتصرخ: الله أكبر.. مجموعة من الشباب حول المنصة أخذوا على عاتقهم مهمة الدبك و الرقص .. قفزوا في أماكنهم ورددوا وراءها.. كما ردد جميع الموجودين..
إحدى الزهرتين المنتصبتين ترخي وشاحاً أصفراً على عنقها والأخرى ترتدي واحداً أزرقاً.. كانتا تتبادلان مكبر الصوت و الهتاف.. بين الحين و الآخر كلتاهما كانتا تجمعان خصل غرتيهما المتناثرة على وجنتيهما الغضتين .. كانتا ترقصان في هذا الفضاء المكتظ بمزيج من رائحة الدم و النار و الحرية.
من سقى جديلتيكما أيتها الأميرات..؟ هل تلت أمكما دعاءً ما تتضرع فيه لحمايتكما..؟ بماذا فكرت وهي تمرر أصابعها في شعريكما..؟ وهل ظنت أنكما خارجتان للاحتفال بالعيد..؟ أتحملان في مكانٍ ما من ثيابكما كعكاً و بعض السكاكر..؟! كل هذه الزينة يا بنات..! ألوانكن المشرقة.. والثياب المرتبة كأنكما في مناسبة رسمية!.
تلوح إحداهن بساعدها مشجعة.. تهدر الحناجر اتقاءً لنظرة غاضبة تبثها من بين خصلات شعرها التي ما فتئت تتشاقى راقصة أمام عينيها.. تلك النظرة..!. تصمت للحظة.. والجميع يصمتون.. صوت يخرج من جوفها، تحمله كل مسامها وساعدها مازال يلوح: يا الله عجل فرجك يا الله..!
لم تتوسل.. كانت حادةً و رزينة لدرجة تظنها تهتف بصيغة الأمر، لا لم تتوسل.. أعطت مكبر الصوت لقائد المظاهرة، وقفزتا وسط الصفير و التشجيع.
أطفال داعل كانوا يحتفلون أيضاً.. يتقاسمون أوراقاً ملونة، ربما تعبيراً رمزياً لحلول العيد..! وأحد صبيتها يغني تراث العيد الاستثنائي لهذه السنة الدامية.. مائدة من ضوء كانوا.. صقلوا قلبي وجعلوا نبضه يتناغم مع ميلانهم و قفزهم و فرحتهم الغريبة. خجلت أمام من أتشارك معهم وطني، أمام هؤلاء الصبية و الأميرات..لأنني فكرت هذا الصباح أن العيد يعني أن تخزني رائحة الهال صباحاً لأستيقظ فأجد والدي يعدّ القهوة المرة التي طالما أكثر هالها.. وأمي تصفّ بأناقة مفرطة كعك العيد في صحون متساوية ومتناسقة.. و ملونة أيضاً .. أحاول أن أستعيد تلك الرائحة التي أدمنتها.. لكن عبثاً لأنني أعرف أن لأبي مزاجه الخاص في إعداد القهوة..!
لم أفكر يوماً أن العيد قد يعني لي شيئاً يا أولاد.. لولا وجودكم في وطني..!




أضف تعليقاً